د . رانيا المشاط تكتب: أطر الاعتماد المتبادل: شراكات لدفع التعاون الدولي
أطر الاعتماد المتبادلة هي نماذج للشراكات تم تصميمها في الأساس لتمكين المزيد من التعاون الدولي ومساندة الدول النامية والأسواق الناشئة.
بينما نشهد توترًا متزايدًا على المستوى الجيوسياسي، وما يصاحبه من صدمات في سلاسل الإمداد، وضغوط على العملات، وتشديد السياسات النقدية على مستوى العالم، وكذلك زيادة مخاطر الاستثمار، فإن هذه الحالة من عدم اليقين تزداد حدتها في الأسواق الناشئة.
وفي ظل هذه التطورات، تبرز الحاجة - أكثر من أي وقت مضى - إلى علاقات أكثر قوة تقوم على المنفعة المتبادلة بين بنوك التنمية متعددة الأطراف (MDBs)، ومؤسسات التمويل الدولية (IFIs)، من أجل خفض الضغوط على الأسواق الناشئة، وزيادة الكفاءة، وخفض التكاليف، وتوسيع نطاق التأثير.
ومن شأن هذه التحركات أن تُضفي الطمأنينة في هذه الأسواق التي تشهد تقلبات حادة بفعل تزايد التوترات الجيوسياسية المستمرة.
الاعتماد المتبادل يتجاوز فكرة التعاون في هذا الصدد، هناك أمثلة واضحة على فكرة الاعتماد والمنفعة المتبادلة بين البنوك والمؤسسات الدولية، من بينها التعاون بين البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي من خلال إطار الاعتماد المتبادل الكامل، وكذلك اتفاق الاعتماد المتبادل في الجوانب البيئية والاجتماعية بين بنك الاستثمار الأوروبي (EIB)، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD)، من أجل تعزيز أثر المشروعات حول العالم، وتوسيع نطاق التأثير التنموي في الأسواق المختلفة، وزيادة الكفاءة في تمويل المشروعات.
إن هذه المبادرات والاتفاقات من شأنها أن تُعزز القدرة على تحقيق الأهداف المشتركة والاستفادة من المزايا النسبية لكل مؤسسة، بدلًا من تكرار الإجراءات لنفس المشروعات، حيث تُسهم هذه التوجهات في خفض الأعباء الإدارية على الدول، وتسريع وتيرة الإنجاز والتنفيذ، بما يُعظم الأثر التنموي عالميًا.
الاستفادة من الميزة النسبية تقوم هذه الاتفاقات بشكل أساسي على الاستفادة من الميزة النسبية ونقاط القوة لكل بنك متعدد الأطراف، سواء كانت خبرة قطاعية، أو معرفة على الصعيد الإقليمي، أو قدرة على تحمل المخاطر، وقوة الهيكل الرأسمالي، من أجل تحقيق التكامل المنشود بدلًا من التنافس، بما يُحقق الفائدة المرجوة في الأسواق التي يعملون بها.
لذلك فإنه من المهم ملاحظة أن إعادة هيكلة النظام المالي العالمي لا يتطلب إعادة اختراع المؤسسات، بل يتطلب الاستفادة من المميزات النسبية لكل منها.
ومن شأن هذا النهج أن يُمكن المجتمع الدولي من خفض حالة عدم اليقين الناتجة عن التوترات الجيوسياسية، وكذلك جذب رؤوس الأموال الخاصة بشكل أكثر فعالية إلى الأسواق الناشئة، وتسريع وتيرة تنفيذ المشروعات المناخية وكذلك البنية التحتية، وخفض تكاليف المعاملات والتمويلات على الدول المقترضة، وتوسيع نطاق التأثير دون تكرار الإجراءات وإهدار الموارد.
بشكل أبسط سيصبح التعاون أكثر قوة وقدرة على تحقيق أهدافه.
كما يُعزز الاعتماد المتبادل للبنوك متعددة الأطراف في الأسواق الناشئة، حشد رأس المال، وتحسين إدارة المخاطر، وتعزيز كفاءة التمويل، وتوسيع نطاق التنمية المستدامة. وهذا يسرع الدعوات من مجموعة العشرين لتعزيز التنسيق على مستوى الدول والتمويل المشترك، ويتماشى مع توصيات خارطة الطريق من أجل بنوك التنمية متعددة الأطراف أفضل، أكبر وأكثر فاعلية(MDBs)؛ والتي تدعو المجتمع الدولي للعمل بشكل أكثر تماسكًا لتعظيم التأثير ومعالجة تحديات التنمية بوتيرة أسرع.
فمن خلال المشروعات المشتركة، تقوم البنوك متعددة الأطراف بشكل فعال بما يلي: حشد رأس المال لتحفيز الاستثمار الخاص؛ وزيادة القدرة على حشد المزيد من التمويلات للمشروعات التنموية؛ وتقديم التمويل بالعملات المحلية، مما يقلل من مخاطر أسعار الصرف على الدول النامية؛ وتحسين جودة المشروعات من خلال مشاركة الخبرات في هيكلة الشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPPs) واستخدام الدعم الفني لتعزيز فعالية مشروعات البنية التحتية؛ وتعزيز بيئة استثمار مستقرة وتشجيع مشاركة القطاع الخاص من خلال تمويل سياسات التنمية ودعم الموازنة.
تعزيز فعالية التعاون إن الاعتماد المتبادل هو، في جوهره، تعاون مصمم لتمكين مزيد من التعاون الدولي.
وكما ناقشنا في المقال السابق يُمكن للمنافع العامة العالمية أن تكون محفزًا قويًا للتعاون الدولي، لكن تقديمها على نطاق واسع سيحتاج إلى أكثر من الطموح وحده. يمكن للأطر الأقوى للاعتماد المتبادل بين المؤسسات أن تساعد في تسريع تحويل الأولويات المشتركة إلى نتائج ملموسة.
ومن خلال مواءمة الإجراءات وتقاسم المسئولية بين بنوك التنمية متعددة الأطراف والمؤسسات الدولية، فيمكن للمؤسسات التركيز بشكل أكبر على تحقيق نتائج واسعة النطاق في مقابل تقليل الإجراءات، وذلك عبر جهود منسقة وممولة بشكل مشترك، بما يُحفز مناخ الاستثمار في الأسواق الناشئة.
إن تحقيق التنمية الدولية لن يحدث من خلال العُزلة، ولكن من خلال أطر منضبطة للاعتماد المتبادل ومصمصة لتحقيق تأثير أكبر.
لذلك إذا تمكنت بنوك التنمية والحكومات والجهات الفاعلة الخاصة من الاستفادة بشكل أفضل من المزايا النسبية والمواءمة التشغيلية، يمكن أن نتمكن من حشد المزيد من رؤوس الأموال، وتسريع وتيرة التنفيذ، وتمكين الأسواق الناشئة من التعامل مع حالة عدم اليقين الناتجة عن التوترات الجيوسياسية بمزيد من المرونة.

