د. رانيا المشاط تكتب.. المنافع العامة العالمية ومستقبل التعاون الدولي
في عام 1999، قام برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP بصياغة مفهوم «المنافع العامة العالمية»،والتي أصبحت شائعة فيما بعد باعتبارها المنافع التي تتسم بخصائص محددة، على رأسها أنها غير تنافسية، أي غير قابلة للمنافسة بين الدول، وأيضًا غير قابلة للاستبعاد، فلا يمكن منع أي دولة أو شعب من الاستفادة بها، فضلًا عن أنها عابرة للحدود بطبيعتها، بحسب ما دونته على صفحتها على موقع LinkedIn الرابط هنا.
وبعد أكثر من عقدين من الزمان، وفي وقت تتزايد فيه الأزمات الدولية، بات مصطلح «المنافع العامة العالمية» حاضرًا بقوة في الخطابات الدولية، بدءًا من اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقمة المستقبل التي عُقدت عام 2024، إلى المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية بإشبيلية في 2025، وكذلك اجتماعات لجنة التنمية بالبنك الدولي، ومجموعة العشرين.
ورغم أن المفهوم يكتسب زخمًا متزايدًا، فإنه لا يزال يفتقر إلى تعريف تشغيلي دقيق. فبينما نفهم المنافع العامة العالمية «نوعيًا»، فإننا نعجز عن «قياسها كمّيًا» وإدماجها في الأنظمة المالية.
ما نعرفه بالفعل
وبينما نواجه اليوم عالمًا يتسم بتوترات جيوسياسية، ومخاطر مناخية، وعدم يقين اقتصادي، لم تعد «المنافع العامة العالمية» مفاهيم مجردة، بل أصبحت على الأرجح واحدة من أقوى محفزات التعاون الدولي.
وقد بات التكيف المناخي، والأمن المائي، والاستقرار المالي الدولي، ومكافحة الأمراض والأوبئة، والمعرفة، تُشكّل سلعًا مشتركة داعمة بشكل قوي للنمو والمرونة وبناء الثقة في العالم متعدد الأطراف.
ومع ذلك، وعلى الرغم من أن أهميتها لم تكن يومًا أوضح مما هي عليه الآن، فإن الطريقة التي نعرّف بها «المنافع العامة العالمية» ونموّلها ونحتسبها لم تواكب واقع اليوم.
وفي كثير من الأحيان، تُعامَل الدول التي تستثمر في التعليم، والصحة، والقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، أو تمكين المرأة اقتصاديًا — وهي إجراءات تولّد منافع تتجاوز حدودها الوطنية بكثير — كما لو كانت تتحرك فقط بدافع مصلحتها الوطنية.
واستمرارًا لهذا النهج، فإن كثيرًا من هذه المشروعات يتم تمويلها من خلال الديون، حتى وإن كانت ميسرة، فإنها تُمثل عبئًا على الدول المقترضة وتُسهم في تراكم المديونية.
لذلك، فإنه من الضروري أن يُقرّ المجتمع الدولي بأن قدرة الدول على تحقيق أهدافها الوطنية تُسهم، بلا شك، في دفع أهداف التنمية العالمية، وتمنحنا عالمًا أفضل مما نعيشه.
التمويل والحوافز
يمكننا الاتفاق على أنه لا يوجد نقص في الالتزام تجاه المنافع العامة العالمية. غير أن ما ينقص هو إطار تشغيلي مشترك يوجّه كيفية قياسها، وتمويلها، وانعكاسها في نظم استدامة الدين وتمويل التنمية.
وتُؤكد التقارير الدولية الأخيرة الصادرة عن المؤسسات الدولية أن هناك التزامًا قويًا تجاه المنافع العامة العالمية، ولكن في ذات الوقت لا ينعكس هذا الالتزام في التمويل والحوافز، ولا يقترن بدعم واضح وقوي للدول أو تقييمها عند توجهها لزيادة الاستثمار في هذه السلع.
وهذه هي الفجوة الحقيقية.. فبينما يمكن أن تظل المنافع العامة العالمية أولوية للجميع من حيث المبدأ، فإن الواقع هو أنه من دون إطار تشغيلي متفق عليه، ستظل في الممارسة العملية مسؤولية لا يتحملها أحد.
وبينما يتضرر العالم أجمع من هذه الفجوة بين الفهم والتطبيق، فإن الدول النامية والاقتصادات الناشئة تتأثر أكثر من غيرها، حيث تتحمل تكلفة كبيرة نتيجة زيادة استثماراتها في العمل المناخي، والأنظمة الصحية، والتعليم، وبناء المرونة، نتيجة عدم وجود أطر مالية وتمويلية متطورة وآليات لاستدامة الدين دوليًا، وعدم اعتراف من المجتمع الدولي بأن هذه الاستثمارات، رغم كونها في ظاهرها أولويات وطنية، إلا أن الاستفادة منها عابرة للحدود.
وهذا يعني أنه في الوقت الذي يقع فيه عبء توفير «المنافع العامة العالمية» بشكل غير متناسب على الدول ذات الحيز المالي المحدود، فإن هذا الاختلال في المواءمة يضعف الحوافز، ويبطئ التقدم، ويعزز نهجًا مجزأً تجاه تحديات التنمية العالمية التي نعاني منها جميعًا.
معضلة الدين
وهنا نؤكد أن تحقيق المفهوم الجاد لـ«المنافع العامة العالمية» ونشره على نطاق واسع لن يتحقق بدون أطر متطورة وواضحة لاستدامة الديون، ولذلك من الضروري التمييز بين الدين الذي يموّل الاستهلاك قصير الأجل، والدين الذي يموّل استثمارات ذات عوائد محلية وعالمية طويلة الأجل.
لأنه عندما تعجز أطر استدامة الدين عن التفريق بين أنواع الدين، فإن ذلك يُمثل عائقًا أمام الدول، ولذلك فقد بدأت مبادرات مثل Bridgetown Initiative بالفعل في دفع النقاشات حول إصلاح الهيكل المالي الدولي واستدامة الدين وأدوات التمويل المرتبطة بالمناخ، وتعكس هذه النقاشات تحولًا مهمًا يتمثل في مواءمة أطر الدين مع المرونة طويلة الأجل بدلًا من الاقتصار على المؤشرات قصيرة الأجل. ومن خلال إعادة صياغة مفهوم استدامة الدين بهذه الطريقة، يمكننا مواءمة الحوافز مع النتائج.
أيضًا، لا بد من الاعتراف بأن القياس الكمي ليس أمرًا سهلًا، لأن قياس الآثار غير المباشرة، والعوائد طويلة الأجل، وتقليل المخاطر النظامية عملية معقدة. غير أن هذه التعقيدات ينبغي ألا تعيق التقدم، لأنه من دون قياس أفضل وأطر أوضح، فإن «المنافع العامة العالمية» ستظل أولويات وشعارات تُردّد في المؤتمرات والمحافل بدلًا من أن تصبح واقعًا راسخًا في أنظمة تمويل التنمية.
نحو نقاش أكثر جدية
وإذا أردنا للسلع العامة العالمية أن تصبح محفزًا حقيقيًا للتعاون الدولي، فعلينا أن نتجاوز التأييد النوعي إلى تعريفات أوضح، وقياس أفضل، ومواءمة مؤسسية أقوى، مع جعل «تمويل التنمية» في صميم الحوارات العالمية.
ومن المهم بالقدر نفسه ضمان أن يكون للجنوب العالمي دور فاعل في صياغة هذا الإطار، لأن الدول التي توفر المنافع العامة العالمية يجب أن تكون جزءًا من تحديد كيفية الاعتراف بهذه السلع وتمويلها.
في هذه المقالة لا نضع أفكارًا قاطعة، بل نفتح نقاشًا أوسع وأكثر عمقًا لدفع التنمية العالمية وتعزيز التعاون الدولي، ودعوةً إلى إعادة صياغة الأنظمة المالية لتصبح «المنافع العامة العالمية» جزءًا لا يتجزأ ضمن هيكل تمويل التنمية؛ بما يمثل بداية تحول حقيقي من الخطاب إلى التنفيذ.

