الجنيه تحت الضغط.. «خبراء»: خروج الأموال الساخنة والتوترات الجيوسياسية يدفعان الدولار للصعود

الاحد 08 مارس 2026 | 09:44 مساءً
الدولار
الدولار
كتب بنك زون

شهدت أسعار الدولار ارتفاع ملحوظاً خلال الأيام الماضية وذلك بعد إندلاع الحرب الأمريكية -الإسرائيلية على إيران، حيث ارتفع الدولار من مستوى 47 جنيهاً قبل الحرب ، لتتخطى الـ52 جنيها اليوم الأحد في البنوك المصرية.

محمد أنيس: زيادة الطلب على الدولار بعد الحرب وراء الارتفاع 

وفي هذا الصدد قال محمد أنيس، الخبير الاقتصادي، إن أسباب ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه خلال الأيام الماضية ترجع إلى عدة عوامل، في مقدمتها اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ما أدى إلى زيادة الضغوط على الطلب على الدولار بشكل كبير.

وأوضح "أنيس" في تصريحات خاصة لـ"بنك زون" أن تحرير سعر الصرف الذي قرره البنك المركزي في وقت سابق يجعل سعر الدولار يتحرك وفقًا لحركة العرض والطلب، مشيرًا إلى أنه مع زيادة الضغوط على سحب الدولار يرتفع السعر بشكل تلقائي.

وأضاف أن هذا الارتفاع جاء أيضًا نتيجة سحب الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة من السندات الحكومية المصرية، مؤكدًا أن ترك سعر الصرف يتحرك وفق آليات السوق يعد أفضل من تثبيته مع زيادة الطلب عليه، حتى لا تتكرر أزمة عام 2022.

وتوقع أنيس أن البنك المركزي لن يتجه إلى رفع أسعار الفائدة في الاجتماعات المقبلة، مشيرًا إلى أن البنك قد يحاول امتصاص موجة التضخم المتوقع حدوثها خلال الفترة القادمة، لافتًا إلى أن معدلات التضخم قد ترتفع بنحو 2% إلى 3% خلال الفترة المقبلة، ثم سيعاود الانخفاض مجدداً بعد أمتصاص التضخم.

هاني أبو الفتوح: الجنيه يواجه اختبارًا معقدًا

في حين قال هاني أبو الفتوح، الخبير الاقتصادي، أن العملة المصرية تواجه في الوقت الحالي اختباراً معقداً يتداخل فيه العامل الاقتصادي مع التطورات الجيوسياسية في المنطقة. فمع تصاعد حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية والإقليمية، عاد الجنيه المصري إلى دائرة الضغوط، مع تحرك سعر الصرف عند مستويات تجاوزت خمسين جنيهاً للدولار.

وأوضح في تصريحات خاصة لـ"بنك زون" أن هذا التحرك لا يعكس فقط تغيرات في ميزان العرض والطلب داخل السوق المحلية انما يرتبط أيضاً بتراجع شهية المستثمرين الأجانب تجاه أدوات الدين الحكومية، وهو ما أدى إلى موجة خروج ملحوظة لرؤوس الأموال قصيرة الأجل. هذه التدفقات - التي يُشار إليها غالباً بالأموال الساخنة - تلعب دوراً مهماً في استقرار أسواق الصرف، لكنها في الوقت نفسه قد تتحرك بسرعة في أوقات الأزمات.

احتياطي النقد الأجنبي يوفر قدرًا من التوازن 

ورغم هذه الضغوط، لا يزال الاقتصاد المصري يمتلك بعض عوامل التوازن، فالاحتياطي من النقد الأجنبي الذي يقترب من 52.745 مليار دولار يوفر قدراً مهماً من القدرة على امتصاص الصدمات الخارجية. إلا أن هذه القدرة تبقى مرتبطة أيضاً بحجم الالتزامات الخارجية، خاصة مع وصول الدين الخارجي إلى نحو 163.7 مليار دولار، وهو ما يزيد من حساسية الاقتصاد لأي تقلبات في تدفقات العملة الصعبة.

وفيما يتعلق بالسياسة النقدية، اتجه البنك المركزي المصري مؤخراً إلى تخفيف نسبي لقيود السياسة النقدية عبر خفض أسعار الفائدة إلى 19% للإيداع الليلي و20% للإقراض. هذه الخطوة تعكس محاولة لتحقيق توازن بين احتواء التضخم من جهة، ودعم النشاط الاقتصادي من جهة أخرى. غير أن تأثيرها على استقرار سوق الصرف قد يظل محدوداً إذا استمرت الضغوط الخارجية بنفس الوتيرة.

كما يطرح البعض تساؤلاً حول سبب عدم انعكاس التدفقات المالية المرتبطة ببرنامج صندوق النقد الدولي بشكل مباشر على تهدئة سوق الصرف. والواقع أن التوترات الجيوسياسية الحالية خلقت بيئة من الحذر في الأسواق المالية، ما يجعل تأثير أي تدفقات مالية أقل وضوحاً في المدى القصير.

ولا يمكن فصل هذه التطورات عن تحركات أسواق الطاقة العالمية. فارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تقارب 93 دولاراً للبرميل يزيد من الضغوط على ميزان المدفوعات، خصوصاً في ظل ارتفاع فاتورة الواردات البترولية. وقد انعكس ذلك على الحساب الجاري الذي سجل عجزاً قدره نحو 3.2 مليار دولار خلال الربع الأول من العام المالي الحالي، رغم تحسن وضعه مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

كذلك تأثرت بعض مصادر النقد الأجنبي التقليدية بالتوترات الإقليمية. فقد شهدت إيرادات قناة السويس تراجعاً خلال الفترة الماضية نتيجة اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، في حين تواصل السياحة تقديم مساهمة مهمة في دعم الموارد الدولارية، إذ سجلت إيرادات تقارب 5.5 مليار دولار في الربع الأول من العام المالي الجاري.

أما على مستوى الاقتصاد المحلي، فتبقى قضية التضخم أحد أهم التحديات التي تؤثر مباشرة في حياة المواطنين. وتشير البيانات إلى تراجع معدل التضخم العام إلى 11.9% في يناير، بينما انخفض التضخم الأساسي إلى 11.2%. ورغم أهمية هذا التراجع من الناحية الاقتصادية، فإن أثره الفعلي على مستويات الأسعار في السوق لا يزال محدوداً من وجهة نظر المستهلكين.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبقى السؤال المطروح داخل السوق: هل تمثل المستويات الحالية لسعر الصرف وضعاً مؤقتاً مرتبطاً بظروف استثنائية، أم أنها تعكس تحولات أعمق في التوازنات الاقتصادية؟ الإجابة ستظل مرتبطة بشكل كبير بمسار التوترات الإقليمية ومدى استقرار الأسواق العالمية خلال الفترة المقبلة.

ففي حال استمرار حالة عدم اليقين، قد تظل الأسواق تحت ضغط لفترة أطول. أما إذا ظهرت مؤشرات تهدئة في المنطقة، فقد تبدأ الأسواق في استعادة جزء من استقرارها تدريجياً، وإن كان ذلك يتطلب وقتاً لاستعادة ثقة المستثمرين.

إقرأ أيضا